جريدة العاصمة
كشف التقرير السنوي الصادر عن مؤسسة وسيط المملكة لعام 2024، والذي أُودِع لدى جلالة الملك ونُشر في الجريدة الرسمية، عن صورة مُتباينة للعلاقة بين المواطن والإدارة في جهة فاس مكناس. ففي الوقت الذي قد يُشير فيه انخفاض أعداد التظلمات في مدن كبرى مثل فاس ومكناس إلى تحسّن نسبي في جودة الخدمات العمومية، برزت مدينة صفرو في صدارة الترتيب، ليس بعدد التظلمات الإجمالي، بل بنسبتها المقلقة مقارنة بعدد السكان. هذه الأرقام، التي قد تبدو جافة في ظاهرها، تحمل في طياتها دلالات عميقة وتطرح تساؤلات جدية حول مدى فعالية الحكامة الترابية في بعض أقاليم الجهة.
وأظهرت أرقام التقرير تفوقًا واضحًا لإقليم صفرو، حيث سجل تظلماً واحدًا لكل 16,930 مواطنًا، وهو معدل يتجاوز بكثير نظيريه في فاس (تظلّم لكل 36 ألف مواطن) ومكناس (تظلّم لكل 28,500 مواطن). هذه الفجوة الواسعة تُشير إلى أن التحديات ليست مرتبطة فقط بالكثافة السكانية، بل ربما بجودة الخدمات الإدارية نفسها وقدرة المرافق العمومية على الاستجابة لتطلعات المواطنين. إن غياب أي تظلمات في أقاليم مثل تاونات وتازة وإفران، رغم أن ذلك قد يُفسر بأسباب متعددة، يضع معدلات صفرو المرتفعة تحت المجهر، ويُسلط الضوء على ضرورة البحث في الأسباب الجذرية وراء هذه الظاهرة.
إن تصدر إقليم صفرو لمؤشر التظلمات ليس مجرد رقم عابر، بل هو بمثابة جرس إنذار للسلطات المحلية والمنتخبين، يُطالبهم بوقفة تقييمية جادة. التقرير يُعيد تأكيد مبادئ الدستور المغربي لسنة 2011، الذي ينص على وجوب تنظيم المرافق العمومية وفق مبادئ المساواة، الاستمرارية، والجودة. كما يبرز دور مؤسسة الوسيط كآلية دستورية لضمان هذه الحقوق وحماية المواطن. لذلك، فإن معالجة هذا الخلل تتطلب تفعيلًا حقيقيًا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، لضمان استعادة ثقة المواطن في إدارته والارتقاء بجودة الخدمات العمومية لتكون في مستوى طموحاته. فهل تستجيب الجهات المعنية لهذا النداء وتُقدم الحلول اللازمة؟

