توفيق اجانا
في خطوة كان يُفترض أن تمثّل دعمًا حيويًا لقطاع الزليج الفاسي، صادق مجلس غرفة الصناعة التقليدية لجهة فاس – مكناس، خلال دورته العادية لشهر يونيو 2025، على اتفاقية شراكة ترمي إلى إنعاش هذا الموروث الصناعي والثقافي، الذي يشكل أحد أعمدة الهوية الحرفية المغربية.
غير أن هذه الخطوة، التي من المفروض أن تُجسد توجهًا نحو الحفاظ على التراث وتطوير الصناعات التقليدية، أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط المهنية والحقوقية، بعد الكشف عن معطى بالغ الحساسية: وجود تضارب واضح في المصالح بين طرفي الاتفاقية، في خرق محتمل للمقتضيات القانونية والدستورية المنظمة لعمل الغرف المهنية والمهام العمومية.
وثيقة رسمية تكشف الازدواجية
توصلت الجريدة بنسخة من الاتفاقية المصادق عليها، وتُظهر الوثيقة توقيع السيد ناجي فخاري، رئيس غرفة الصناعة التقليدية بجهة فاس – مكناس، ممثلًا للمؤسسة العمومية، قبل أن يُوقع مرة أخرى على نفس الوثيقة، لكن بصفته رئيسًا لتعاونية “بنجليق للزليج الفاسي” المستفيدة من الدعم.
هذا التداخل بين الصفتين، الداعمة والمستفيدة، يُثير تساؤلات حقيقية حول مدى احترام مبدأ الحياد المؤسسي، ويضع الواقعة في صلب نقاش قانوني حول تضارب المصالح، وهو من أخطر الإخلالات التي تُهدد قواعد الحكامة الرشيدة.
مرجعية دستورية واضحة
دستور المملكة المغربية لسنة 2011، باعتباره الإطار الأعلى المنظم للحياة المؤسساتية، ينص بوضوح في فصله الأول على أن “ربط المسؤولية بالمحاسبة والحكامة الجيدة من الأسس الدستورية”، فيما يجرّم الفصل 36 بشكل صريح “تضارب المصالح واستغلال النفوذ”، داعيًا إلى اتخاذ التدابير التشريعية والتنظيمية اللازمة لمحاربتها.
في هذا السياق، يطرح توقيع رئيس الغرفة على اتفاقية يستفيد منها بصفته رئيسًا لكيان مدني آخر إشكالًا دستوريًا واضحًا، ما قد يُعدّ مخالفة صريحة لمبدأ الفصل بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة، ويُفتح الباب أمام المساءلة القانونية، خاصة في ظل وجود وثيقة رسمية تُثبت ازدواجية التوقيع.
من النية الحسنة إلى المساءلة
فحتى وإن تمت هذه الخطوة بنية تطوير القطاع، فإن المسؤولية العمومية تقتضي احترام الشفافية والمؤسساتية. إذ أن مثل هذه التصرفات قد تُضعف ثقة الحرفيين والمجتمع المدني في استقلالية القرار العمومي، وتُسيء إلى صورة المؤسسة ومصداقيتها.
إن النوايا، مهما كانت نبيلة، لا تبرر خرق القواعد الأخلاقية في التسيير، خصوصًا في قطاع حساس كالصناعة التقليدية، حيث ترتبط الموارد والدعم العمومي بثقة الفاعلين في عدالة التوزيع وشفافية التدبير.
فقدان الثقة… الخطر الأكبر
في ظل غياب إشراك فعلي للحرفيين وممثلي المجتمع المدني، يشعر العديد من المهنيين بأنهم مستبعدون من القرار، وأن مؤسساتهم التمثيلية لم تعد تنطق باسمهم. فكلما تم اتخاذ قرارات حاسمة باسم “الإصلاح” دون مشاورات موسعة، تعزز شعور الإقصاء، وتولد الشكوك بشأن وجود مصالح شخصية أو فئوية وراء تلك القرارات.
والأخطر من ذلك، أن مثل هذه الممارسات قد تُغذي الاحتقان، وتؤدي إلى انسحاب الفاعلين المحليين من عمليات التشاور، أو حتى الطعن في شرعية تمثيلية المؤسسة.
الحكامة ليست ترفًا مؤسساتيًا
في الوقت الذي تضخ فيه الدولة موارد معتبرة لدعم قطاع الصناعة التقليدية، وتُراهن على دور الغرف المهنية في إنجاح الورش الاجتماعي والاقتصادي، تصبح الحكامة الجيدة شرطًا أساسيًا للنجاح، لا خيارًا إضافيًا.
ما حدث داخل غرفة الصناعة التقليدية بفاس – مكناس لا يجب أن يُنظر إليه كواقعة عرضية، بل كمؤشر على ضرورة مراجعة ثقافة التسيير، وتفعيل المقتضيات القانونية التي تمنع الجمع بين المسؤولية العمومية والمصالح الخاصة.
إن دعم قطاع الزليج الفاسي لا يتحقق فقط بالتمويل، بل بتكريس الشفافية، وتدبير نزيه يعيد الاعتبار للمهنيين، ويجعل من الغرف المهنية فضاءً فعليًا للدفاع عن مصالحهم، لا لتقاطع المصالح الخاصة.
