في سياق دولي مضطرب تتقاطع فيه الأزمات الجيوسياسية مع التحولات الاقتصادية العميقة، عادت قضية القدرة الشرائية للأسر المغربية لتتصدر واجهة النقاش العمومي، خلال لقاء نظمته رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين بمدينة فاس، حيث تم التأكيد على أن دعم دخل الأسر لم يعد خياراً ظرفياً، بل أولوية استراتيجية لضمان النمو الاقتصادي وتعزيز الصمود الاجتماعي.
اللقاء سلط الضوء على التأثيرات المباشرة للأزمات العالمية المتلاحقة، بدءاً من الحرب في الشرق الأوسط، مروراً بتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وصولاً إلى التقلبات الحادة في أسعار الطاقة والمواد الغذائية. وأبرز المتدخلون أن المغرب، باعتباره بلداً مستورداً للطاقات الأحفورية، يظل من أكثر الدول تأثراً بهذه الصدمات الخارجية.
مقارنة الأرقام بين الأزمتين كشفت أن الارتفاعات الحالية في أسعار النفط والغاز، رغم أنها تبدو أقل حدة زمنياً، إلا أنها تحمل مؤشرات أكثر خطورة على المدى المتوسط، خاصة مع احتمال استمرار الاضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، ما قد يقود إلى سيناريو “الركود التضخمي” الذي يهدد الاقتصادات الناشئة والمتقدمة على حد سواء.
وفي استحضار لمسار الصمود الوطني، ذكّر المشاركون بمحطات صعبة مر بها الاقتصاد المغربي، من أزمة 2008 المالية، إلى تداعيات الربيع العربي، ثم جائحة كوفيد-19، وصولاً إلى آثار الجفاف والكوارث الطبيعية، مؤكدين أن المغرب استطاع في كل مرة تحويل الأزمات إلى فرص للإصلاح.
كما تم التنويه بالإجراءات الحكومية الرامية إلى حماية القدرة الشرائية، وعلى رأسها تعميم الحماية الاجتماعية، ودعم أسعار غاز البوتان والنقل، والحفاظ على استقرار أسعار الكهرباء، وهي تدخلات تكلف ميزانية الدولة مليارات الدراهم سنوياً. غير أن هذه التدابير، حسب المتدخلين، تبقى مهددة بالتآكل السريع بفعل الارتفاع المتواصل في أسعار السلع والخدمات.
وفي هذا السياق، شدد اللقاء على ضرورة الانتقال من المقاربات الظرفية إلى رؤية بنيوية تستهدف الرفع من الدخل الصافي للأسر، مع الأخذ بعين الاعتبار الأعباء الاجتماعية المتزايدة، خاصة لدى الطبقة الوسطى والفئات الهشة، من قبيل تكاليف التعليم والصحة والنقل، إضافة إلى إشكالية البطالة داخل الأسرة.
وأكدت رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين أن تعزيز القدرة الشرائية لا يمكن أن يتحقق فقط عبر الدعم المباشر، بل يتطلب إصلاحات عميقة تمس بنية الاقتصاد الوطني، وتستثمر في فرص جديدة تتيحها التحولات العالمية، خاصة في مجالات الطاقات المتجددة والسياحة والخدمات.
وختم اللقاء برسالة واضحة مفادها أن تقوية الطلب الداخلي تظل رافعة أساسية للنمو، وأن حماية القدرة الشرائية للأسر المغربية هي المدخل الحقيقي لضمان الاستقرار الاجتماعي وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، في عالم يزداد تقلباً يوماً بعد آخر.

