السفير 24 – المصطفى العياش
جريمة موثقة… وجانٍ غائب عن البيان
في لحظة كانت تنتظرها الشعوب العربية والإسلامية لكشف الحقيقة، خرج مجلس الأمن ببيان “إدانة” للهجوم على الدوحة، لكنه أخفى الجاني الحقيقي خلف لغة فضفاضة. الهجوم الذي استهدف سيادة قطر وقتل مدنيين أبرياء معروف المنفذ، لكن مجلس الأمن اختار الصمت المقنّع.
هذه المفارقة تكشف أن الإدانة الدولية ليست بالضرورة انتصارًا للعدالة، بل قد تتحول إلى غطاء يبرر غياب المحاسبة. فما قيمة الإدانة إذا لم تُسَمَّ إسرائيل، وهي الطرف الذي لا يختلف اثنان على تورطه؟
مجلس الأمن… إدانة بلا جدوى
من الناحية الشكلية، البيان بدا “موحدًا”، حتى الولايات المتحدة شاركت في صياغته، لكن هذا الإجماع لم يكن إلا على الحد الأدنى: إدانة عامة دون تسمية المعتدي. هنا تكمن خطورة ما جرى.
إدانة بلا مسؤولية: لا قيمة قانونية لبيان يخلو من اسم المعتدي.
توافق هش: وحدة المجلس جاءت على حساب الحقيقة.
قطر بين السيادة والدبلوماسية
بالنسبة لقطر، البيان الأممي نصف مكسب ونصف خسارة. مكسب لأنه يوفّر ورقة دبلوماسية يمكن استثمارها ضد إسرائيل. وخسارة لأنه لم يحمِّل الجاني المسؤولية المباشرة.
هذا الوضع يفرض على الدوحة استراتيجية مزدوجة:
الدفاع عن سيادتها بكل الوسائل القانونية.
وفي نفس الوقت، إعادة النظر في دور الوساطة الذي جعلها هدفًا مباشرًا.
فكيف لوسيط أن يكون ضامنًا للسلام وهو نفسه تحت القصف؟
ازدواجية المعايير… مرض مزمن للأمم المتحدة
لو قارنا البيان الحالي ببيانات سابقة لمجلس الأمن، نجد الفجوة واضحة:
في أوكرانيا، سُمِّيت روسيا بالاسم واتُّهمت بالعدوان مباشرة.
في الدوحة، اكتفى المجلس بكلمة “الهجمات”.
هذه ليست مجرد تقنية لغوية، بل سياسة مقصودة تفضح الكيل بمكيالين. مجلس الأمن لا يتعامل مع القانون الدولي كقيمة مطلقة، بل كأداة تُستخدم حسب مصالح الكبار.
الإعلام يكشف المستور ووسائل الإعلام العالمية انقسمت:
الغربية: ركزت على الدعوة لخفض التصعيد دون الغوص في هوية المعتدي.
العربية والإسلامية: سمّت إسرائيل صراحة واعتبرت البيان الأممي “إدانة منقوصة”.
هذا التباين يوضح أن المعركة اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل هي أيضًا حرب روايات. وقطر تمتلك ورقة إعلامية قوية يمكن أن تقلب المعادلة إذا أحسنت استخدامها.
السيناريوهات الممكنة أمام قطر
1 ــ المسار القانوني: رفع الملف إلى محكمة العدل الدولية لإثبات خرق السيادة.
2 ــ المسار الدبلوماسي: بناء تحالف عربي–إسلامي يُجبر مجلس الأمن على تسمية المعتدي مستقبلًا.
3 ــ المسار الإعلامي: تحويل الرأي العام العالمي إلى محكمة مفتوحة ضد إسرائيل.
رأي ختامي: مجلس الأمن في قفص الاتهام
اجتماع مجلس الأمن حول الهجوم على قطر لم يبرّئ المعتدي ولم ينصف الضحية، بل وضع المنظمة الدولية نفسها في قفص الاتهام. لقد أدان الجريمة لكنه أخفى الجاني، فأثبت مرة أخرى أن العدالة الدولية تُدار بمنطق المصالح لا بمنطق القانون.
إذا أرادت قطر أن تحمي نفسها وتؤكد سيادتها، فعليها أن تتحرك خارج حدود “إدانة بلا أسماء”. العالم لا يحترم إلا المواقف الجريئة، والدوحة اليوم أمام فرصة لتعرية ازدواجية مجلس الأمن، وتحويل صمت الأمم المتحدة إلى وثيقة إدانة في حد ذاته.


