الرباط ـ «القدس العربي»: يفتح الأطلس المتوسط في المغرب أبوابه من خلال مدينة الحاجب، التي تتميز بموقعها الجغرافي الواقع على مفترق سهل سايس وسفوح الجبال، على بعد 30 كيلومتراً جنوب مدينة مكناس، كما تفصلها المسافة نفسها تقريبًا عن مدينة إفران المشهورة باستقطابها للزوار لا سيما أثناء موسم تساقط الثلوج. فيما تكتسب الحاجب شهرتها من خلال عيون المياه العذبة المنتشرة فيها بكثرة، وكذا قلعتها التاريخية القصبة التي يعود تاريخ إنشائها الأصلي إلى القرن الثاني عشر الميلادي، قبل أن يُعاد بناؤها في القرن التاسع عشر.
عن الماء والهوية
القادم إلى الحاجب «بوابة الأطلس المتوسط» من مدينة مكناس سيمر عبر طبيعة خلابة، من مجّاط وهي منطقة ريفية، إلى بوفكران، تلك المدينة الصغيرة التي تشكل مقاهي ومطاعم «الكفتة» (اللحم المفروم) أبرز معالمها التجارية. مباشرة بعد مسافة قليلة يبدأ الصعود إلى مدينة الطبيعة الجميلة حيث غابات البلوط الأخضر وأشجار الأرز في المرتفعات المحيطة بها، إلى جانب العيون التي تشكل جزءا مهما من هويتها مثل عين خادم، عين الذيب، عين الذهيبية، وغيرها.
الحديث عن الماء ليس حديثا عابرا، بل هو سند تاريخي ساهم في الاستقرار البشري والنشاط الزراعي، كما جعل من الحاجب مركزا لراحة المسافرين على الطريق الرابطة بين مكناس وميدلت.
لمحة تاريخية
لكي يلمس الزائر قلب مدينة الحاجب، عليه أن يتسلح بمعرفة تاريخها، الذي لا يغوص في القدم كثيرا وليس حديثا جدا، فهو مرتبط بالعصر الموحدي في القرن الثاني عشر، وسميت حينها بـ«قصبة جامع الحمام»، ولم تتجاوز وظيفتها في ذلك العهد كونها قصبة عسكرية مهمة بحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي على طريق القوافل المتجهة أو القادمة من تافيلالت، في الجنوب الشرقي للمغرب.
بعد فترة التألق، جاءت مرحلة فقدت فيها الحاجب أهميتها ابتداء من القرن الخامس عشر، حيث تعرضت للتخريب أو الإهمال، وهو ما جاء على ذكره المؤرخ الحسن الوزان الشهير بـ «ليون الأفريقي»، صاحب كتاب «وصف أفريقيا»، حين أكد أنه وجد المنطقة عبارة عن أطلال وأسوار مهجورة.
وعادت مدينة الحاجب إلى الانبعاث من رماد النسيان في عهد الدولة العلوية، وتحديدًا مع السلطان المولى إسماعيل (1645/ 1727م)، الذي اتخذها موقعا عسكريا نظرا لتضاريسها التي تشكل حجابا واقيا للعاصمة مكناس ضد هجمات قبائل الأطلس المتوسط. وزادت تألقا بعد أن أعيد بناء القصبة في عهد الحسن الأول سنة 1880 كمركز مراقبة للطريق السلطانية الرابطة بين مكناس وتافيلالت، وأيضا لصد هجمات قبائل المنطقة (بني مطير وكروان) ضد مكناس. وهي القصبة التي شكلت النواة الأولى لمركز حضري بهذه المنطقة.
الاستعمار والاستقلال
يمر تاريخ الحاجب مثل جل المدن المغربية بمرحلة الاستعمار الفرنسي، الذي دخل المدينة سنة 1911 وجعل منها موقعا ذا أهمية كبرى في المراقبة السياسية والعسكرية لقبائل الأطلس المتوسط التي استمرت في مقاومة الاستعمار.
بعد الاستقلال، حافظت الحاجب على أهميتها العسكرية باحتضانها لإحدى أكبر ثكنات القوات المسلحة الملكية للتدريب العسكري، والتي تساهم في اقتصاد المدينة. كما ارتقت المدينة لعاصمة لإقليم الحاجب سنة 1991.
الجغرافيا والمناخ
المدينة التي تقع على ارتفاع 1200 متر فوق سطح البحر، عند نقطة التقاء هضبة سايس وجبال الأطلس المتوسط، تعبرها أجراف صخرية تقسمها إلى جزءين: الأحياء الموجودة في الجزء الأعلى (الحاجب العالي أو حي كانتينا) والأحياء الموجودة في الجزء الأسفل (الحاجب السفلي) جنوبا. تضم هذه الأجراف العديد من المغارات، أشهرها المغارة التي تشبه وجه الأسد.
أما مناخها فجبلي رطب، بارد شتاء ومعتدل إلى حار صيفا. وبلغ عدد سكانها 40.735 نسمة حسب الإحصاء العام (التعداد السكاني) لسنة 2024، يتوزعون على 8.633 أسرة. اللغات الرائجة في المنطقة هي العربية (الدارجة المغربية) والأمازيغية.
مركز تجاري
مع تحولها إلى حاضرة، صارت الحاجب مركزا تجاريا لتسويق المنتجات الزراعية والحيوانية والغابوية للإقليم، خاصة في السوق الأسبوعي ليوم الاثنين، ورغم ذلك تشهد المدينة منافسة اقتصادية كبيرة من مدينة مكناس ذات الجاذبية الاقتصادية العالية. من بين المنتجات الزراعية التي تشتهر بها مدينة الحاجب ونواحيها، النباتات الطبية والعطرية مثل اليانسون وزيت الزيتون، والعسل، ومشتقات الحبوب والنباتات العطرية.
في شق الصناعة نجد الصنف التقليدي هو الحاضر الأكبر، وخاصة صناعة النسيج، وأهم منتجاتها: زربية الأطلس، زرابي الحنبل (نوع من السجاد الأمازيغي)، الخيام الأطلسية (الزعرية)، ومعداتها مثل تارحاليت (مكان حفظ أدوات إعداد وتحضير الحبوب)، بوشرويط (نوع من السجاد الأمازيغي). ويضاف إلى ذلك ما تم اكتشافه سنة 2018، وهو منجم للزنك بمنطقة أشماش بضواحي مدينة الحاجب، بطاقة إنتاجية سنوية تبلغ 750 طناً.
لا عطش في الحاجب
أما سياحيًا، فزواج السهل والجبل يصنع العجب في مخيلة الزائر، ويرسم أمامه لوحة طبيعية فاتنة. كما يمكن أن يشكل مرتكز جذب للزوار، لأن المؤهلات الطبيعية والتراثية مهمة جدا بهذه المنطقة، لكن الاهتمام بهذا القطاع يبدو منحصرا جدا وغير متطور، كما هو حال مدن مغربية أخرى تشبهها في الطبيعة والمجال والموروث. بيد أن المنافسة تبدو صعبة مع الأقطاب السياحية المحيطة بها، والحديث هنا عن فاس ومكناس وإفران. ورغم ذلك، فإن العمل على هذا الجانب يسير في اتجاه «التثمين»، من خلال إطلاق برنامج تأهيل وتثمين عيون المدينة (عين الذهيبة، عين مدني، عين خادم وعين بوتغزاز) وبدأ ذلك سنة 2019. كما تحضر من بين أهم معالمها السياحية التاريخية قصبة الحاجب أو قصبة جامع الحمام.
في الحاجب لا يوجد إحساس اسمه العطش، فهي مدينة المنابع المائية العذبة، وقد يكون أحد ألقابها المنسية التي يمكن أن توصف بها لاحقا. ومن بين تلك المنابع نذكر أشهرها: عين خادم وسط المدينة، عين الذهيبة، عين أغبال، عين الحد، عين سلامة، عين إيكو، عين بيطيت.
التحول الحضري
إذا كانت القصبة قد ارتبطت بـ «العهد الموحدي»، فإن تاريخ المدينة كحاضرة ارتبط ببدايات الدولة العلوية الحديثة. فقد أسّس السلطان مولاي إسماعيل في أواخر القرن السابع عشر قصبة (قلعة) عسكرية كانت نواة للحياة الحضرية في المنطقة. كانت القصبة مركزا لمراقبة طرق الولوج إلى مكناس عاصمة السلطنة حينها، ولحماية التخوم الفاصلة بينها وبين قبائل الأطلس. ومع مرور الزمن، تحوّل المركز العسكري إلى تجمع سكاني مستقر، لينمو تدريجياً مع توسع الاستقرار والفلاحة والتجارة.
ومن ثم، يعدّ وجود قصبة الحاجب شاهدًا حيًا على تاريخ هذه المدينة. بأسوارها المتينة وعمارتها المميزة، تأسر القصبة كل من يعشق التراث والآثار. ويتيح استكشاف هذه المعلمة التاريخية الغوص في أعماق الماضي واكتشاف آثار عصور غابرة.
وعرفت المدينة تحولات عمرانية مهمة خلال الفترة الاستعمارية، حيث أصبحت محطة إدارية وعسكرية فرنسية تدعم التوسع نحو الجنوب الشرقي، ما أدى إلى تنظيم جزء من نسيجها الحضري وفق نموذج حديث نسبيا مقارنة بنواتها القديمة المرتبطة بالقصبة وعيون الماء. وبعد الاستقلال، واصلت المدينة توسعها، خصوصا مع نزوح سكان الأرياف الجبلية نحو الحواضر وضواحيها.
سكان مدينة الحاجب من أصول متنوعة، يجمعهم الانتماء إلى المجالين الجبلي والسهلي. واجتماعيا، فإن السكان المحليين يعيشون تحولات سوسيولوجية واضحة مرتبطة بالنمو الحضري والهجرة الريفية والبحث عن فرص العمل والتعليم. ورغم أن الخدمات الأساسية متوفرة، فإن السكان يطمحون إلى تحسن البنيات التحتية الثقافية والرياضية والسياحية.
تحوّل حضري واعد
المدينة تعيش على إيقاع المدن المغربية المتوسطة، التي تسير بثبات نحو التوسع العمراني والتطور، كما تواجه اليوم رهانات تنموية تتعلق بخلق فرص اقتصادية جديدة، وتثمين مواردها الطبيعية والتاريخية، وتجويد العرض السياحي، مع الحفاظ على خصوصيتها البيئية. ولأجل ذلك، فهي تمتلك مقومات النجاح في هذا المسعى، لأنها مدينة في طور تحوّل حضري واعد تجمع بين الجذور التاريخية والطابع الجغرافي المتميز والموارد القابلة للاستثمار.
وتبقى الحاجب نموذجا لحاضرة مغربية متوسطة الحجم تسعى لإثبات مكانتها في النسيج الحضري الوطني، من خلال استثمار موقعها الرابط بين جهات متعددة، وتعزيز هويتها القائمة على الماء والطبيعة والتاريخ، بما يمكنها من تحقيق تنمية متوازنة ومستدامة.
جولة العابر
الزائر لمدينة الحاجب عليه أن يكون بدنيا مستعدا لجولة جميلة، قد تكون السيارة وسيلة البعض في ذلك بسبب وجود المرتفعات، بينما تظل الأقدام الوسيلة الصحية لتبديد الخمول الذي تخلّفه الحواضر الكبرى ذات الطابع المخملي.
سواء على الأقدام أو عبر السيارة، فإن الزائر سيجد نفسه أمام مدينة تقسّم غالبا إلى الحاجب العليا والحاجب السفلى. الأحياء مثل الكانتينا وشيبة تقع على الهضبة، وتعتبر من مكونات الجزء العلوي من المدينة. أما الشارع الرئيسي فهو شارع الحسن الثاني، ويعتبر الشريان المروري الأهم في الحاجب، يربط بين الحاجب السفلى والحاجب العليا، ويُعد من أهم المحاور الحضريّة في المدينة.
عين ذهيبة
قد تكون تلك العيون الكثيرة التي تطل على باطن الأرض هي هبة مدينة الحاجب، وأكثر ما يميّزها اليوم من ناحية طبيعية وسياحية، وتتوزع عبر مصادر للعيون ومنتزهات وتضاريس وفضاء طبيعي.
إحدى أهم تلك العيون والمنتزهات، هناك منتزه عين ذهيبة، الذي كان ينبوعا عذبا جرى تهيئته مؤخرا ليصبح منتزها داخل المدينة. وخصصت له مساحة تُقدّر بـ 5 هكتارات. يشمل مسارات للمشي والرياضة، بحيرة صغيرة أو مجرى مائي، أماكن للجلوس، فضاء للعب الأطفال، مرافق صحية، مساحات خضراء، إنارة عامة، ومرافق استقبال.
ويقع المنتزه المذكور وسط المدينة، بجوار الحامية العسكرية وعلى مقربة من عين خادم في منطقة الحاجب العليا. وقد عادت إليه الحياة من جديد بعد تهيئته وأصبح يستقطب العديد من الزوار من سكان المدينة الجبلية، وهم يبحثون عن الهدوء الطبيعي وسكينة النفس.
وشملت أشغال تهيئة هذا الفضاء الذي نفّذ على مساحة 5 هكتارات، تهيئة فضاء خاص بألعاب الأطفال، ومسار للجري والمشي، وفضاء خاص بالعائلات، ومساحات خضراء مزودة بنظام الري والانارة، ونافورة وشلال وأكشاك ومراحيض ومواقف للسيارات وشرفة بمدرجات تطل على مدينة الحاجب.
ويمثل اكتمال مشروع تهيئة عين ذهيبة الممول من طرف مجلس جهة فاس مكناس، تحولًا مهمًا في تطوير السياحة المحلية في مدينة الحاجب حيث يهدف إلى تطوير البنية التحتية السياحية في جهة فاس مكناس، مع مراعاة الجوانب البيئية والحفاظ على الموارد الطبيعية. وبفضل المرافق المتنوعة والمتميزة، أصبحت العين وجهة سياحية للعائلات، والرياضيين، وعشاق الطبيعة، مما يسهم في تعزيز مكانة المدينة كوجهة سياحية واعدة في جهة فاس مكناس. وهو ما تراهن عليه المدينة، حيث إن تجديد المنتزه ينتظر أن يستقطب زوارا وسياحا من خارج الإقليم، ناهيك عن مجموعة العيون المائية العذبة الأخرى وباقي المنتزهات التي تشكل العقد الماسي لمدينة تريد المضي قدما في طريق التنمية.
السير نحو المستقبل
من خلال الاطلالة على تاريخ وحاضر الحاجب، فإن المدينة عاشت ماضيا عسكريا متألقا، وهي اليوم حاضرة تسير بثبات نحو التطور، كما تختزن الكثير من الإمكانات المستقبلية.
هي مدينة متوسطة الحجم، لكنها شاسعة التاريخ والمجال، ونقطة دفاع استراتيجية، تحولت مع مرور السنوات والحقب إلى مركز إداري وزراعي وسكني. وكانت القصبة النواة الأولى التي تأسست معها الحاضرة، ثم مع الزمن تغيّرت طبيعتها من حصن إلى بلدة، ومن بلدة إلى مدينة.
الحاجب تمزج بين هويتها الأمازيغية، طابعها الريفي/الزراعي، ودورها الإداري الجديد بعد أن صارت عاصمة إقليم، مع تنوع طبيعي يجعل منها منطقة ذات موارد مائية ومناظر طبيعية تستحق الانتباه.
رغم التحديات المتمثلة في المنافسة من المدن المجاورة وضعف استغلال السياحة بشكل كبير، فإن الحاجب تمتلك إمكانات حقيقية للنمو تتجلى في الفلاحة والبيئة الطبيعية والتنمية العمرانية وتحسين الخدمات.
