** كيف بدأ اهتمامكم بعلم الأنثروبولوجيا والمخطوطات؟ وهل كنتم تتوقعون الوصول إلى مناصب رفيعة كهذه في العالم العربي؟
بدأ اهتمامي بالتراث الثقافي والفكري عموما والأنثروبولوجيا تحديدا في فترة الشباب مع بداية الدراسة الثانوية حيث كنت شغوفا بالرواية التاريخية، إذ كنت نهم القراءة لهذا النوع من الرواية باللغات الفرنسية والعربية والإسبانية، ما جعلني أجوب عوالم المجتمعات عبر التاريخ وأصول وأجول في تضاعيف الخصوصيات الثقافية، وغناها وتنوعها من مجتمع لآخر، ومن حقبة زمنية لأخرى، ومن بقعة جغرافية لأخرى. وأجزم أن هذا الزخم الروائي الذي اكتنزته ذاكرتي، ينضاف إليه بعض الكتب التراثية كالإمتاع والمؤانسة للتوحيدي التي كنت أستلها من خزانة والدي رحمه الله، شكل البذرة التي غرست في وجداني منذ مرحلة المراهقة، فحدث التعلق بما يدور في فلكها، وهو ما حدا بي إلى تفضيل المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث عن معاهد أخرى كنت قد اجتزت مباريات الولوج إليها. وهناك كان من بين التخصصات مادة الأنثروبولوجيا فوافق السياق المساق. وبالمعهد كذلك اكتشفت أهمية المخطوط والوثيقة، لكن اهتمامي بالمخطوط ازداد عند تعييني مندوبا لوزارة الثقافة بإقليم الرشيدية على الحدود الشرقية المغربية، حيث اكتشفت هناك مجموعات خطية بالغة الأهمية تحتاج لمزيد الرعاية والاهتمام، وآنداك بدأت مسيرة التعرف على نفائس التأليف المغربي المبهرة.
أما عن توقع وصولي إلى مناصب مهمة في العمل الثقافي العربي، فأنا لا أتوقع أي شيء، إنما أجتهد ما استطعت وأعمل بإخلاص وتفان ووفاء، فكم من المناصب جهدت في الوصول إليها ولم أوفق، وكم من المناصب والمسؤوليات أتتني طائعة طيعة لم أسع إليها البتة، ونافلة القول في هذا الباب، وما توفيقي إلا بالله، ثم أن شغل المناصب المهمة لا يكتسي أهميته من عنوان المنصب ولكن مما ينجز فيه من عطاء نافع.
** حدثنا عن أبرز المحطات التي شكلت مسيرتكم الأكاديمية والثقافية، خصوصاً في المغرب.
المحطة الأولى كانت في العمل بمدينة فاس كمحافظ مساعد لمتحف الأسلحة، وقد كانت غنية بجميع المقاييس لأن مقامي القصير بفاس لمدة سنتين لم يمنعني من الانغماس في تاريخ وثقافة المدينة العتيقة، ومبادرتي إلى تدريس مادة المدينة الإسلامية بمعهد التكوين في فنون البناء الذي كان يدرس مكونات التراث العمراني والمعماري بطرق مهنية وحرفية. وقد شكلت الأبحاث الميدانية التي قمت بها، انطلاق اهتمامي بموضوع غير مطروق على الصعيد العربي من وجهة نظر أنثروبولوجية وهو موضوع التمثلات الرمزية والتطبيقية للدم في الثقافة المغربية، وهو ما تحول إلى أول رسالة دكتوراه في تخصص الأنثروبولوجيا نوقشت بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، نشرت باللغة الفرنسية (2002)، ثم تحول اهتمامي في المحطة الثانية إلى التراث الرمزي في الفنون المعمارية، حيث قمت ببحث ميداني استغرق سنة كاملة بمدينة سلا حول التراث الرمزي لبيوتات سلا العتيقة، حولته إلى كتاب جاهز للنشر منذ مدة، لكن لم أسع إلى نشره لانشغالات إدارية كثيرة. هذه المحطة الثانية فتحت الطريق على مصراعيه للاهتمام بمواضيع ذات ارتباط بالتراث المعماري والعمراني، وهو ما تطور بشكل مفاجئ إلى أول رسالة دكتوراه وطنية في تخصص تمدن المجال بالمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية، في موضوع بناء العلاقات الاجتماعية بالفضاء الحضري المغربي “نموذج المقاهي بالرباط”، نشرت باللغة الفرنسية (2018).
أما المحطة الثالثة، فهي التدريس والتأطير الجامعي حيث درست مادة الذاكرة الجماعية والتراث المعماري بالمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية، ومادة علم الاجتماع الحضري بالجامعة الدولية للرباط، ومادة المشروع الثقافي بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، ولم يمنعني من مواصلة التدريس الجامعي إلا المناصب التي تقلدتها والتي تحتاج لتفرغ تام.
أما مسيرتي الثقافية، فهي حافلة تحتاج لحوار مستقل، إذ نشرت العديد من المقالات العلمية وقدمت عددا كبيرا من المحاضرات وساهمت في تنظيم كثير من الأحداث الثقافية، وأشرفت على تنفيذ مشاريع ثقافية كبرى، وأكتفي بالإشارة إلى مهمة المنسق العام لوجدة عاصمة الثقافة العربية سنة 2018 والتي أنجزنا فيها أكثر من 420 نشاطا ثقافيا، ومسؤولية عضو فريق الحوار الوطني حول المجتمع المدني وأدواره الدستورية الجديدة، ومسؤولية مقرر اللجنة المكلفة بإعداد القانون التنظيمي للمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية.
** ما التحديات التي واجهتموها في الانتقال من العمل المحلي إلى مناصب إقليمية تابعة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)؟
العمل بالمنظمات الإقليمية والجهوية والدولية له ضوابطه وقواعده التي يجب احترامها والتقيد الصارم بمراعاتها، فضلا عن التقاليد التي راكمتها الألكسو كمنظمة عربية رائدة أنجزت العديد من المبادرات والمشاريع وأعدت الخطط والوثائق الاسترشادية التي تبقى مرجعية على صعيد الوطن العربي. ويبقى التحدي الأبرز هو النجاح في إقناع المؤسسات والجهات العربية ذات الصلة بميدان العمل الذي يشتغل فيه كل مدير، بمزيد الانخراط والتعاون وتعزيز فكرة العمل العربي المشترك وما يمكن أن يجنى من ثماره الوفيرة.
