عنوان هذا المقال يعكس اهتمام الرأي العام في الوطن العربي كله, بالتطورات التي شهدها المغرب مؤخراً, والتي تتلخص فيما يعبر عنه هناك بـ (تجربة التناوب) . واذا كانت هذه العبارة (تجربة التناوب) , لا تحتاج الى شرح في المغرب, باعتبار ان المغاربة, والطبقة السياسية منهم بخاصة, قد عاشوا ما قبل هذه (التجربة) , ويعرفون التطورات والملابسات التي ادت اليها: يعرفون (من أين؟) وبالتالي يستطيعون أن يرسموا لأنفسهم آمالاً وتخوفات, لنقل سيناريوهات, للجواب عن السؤال: إلى أين؟ اذا كان الأمر كذلك في المغرب, فإن سؤال المشرق:(المغرب… الى أين؟) لا يمكن الجواب عنه بتقديم تصورات وسيناريوهات عن المستقبل, مقطوعة عما يؤسسها في الماضي؛ بل ان الجواب الصحيح عن هذا السؤال أعني الجواب التاريخي, يتطلب في اعتقادي تقديم جواب عن سؤال آخر, سؤال: (المغرب الآن.. من أين؟) . ولما كان ما عبرنا عنه بـ(المغرب الآن) , يتلخص فيما يسميه المغاربة بـ (تجربة التناوب) , فإن المطلوب ابتداء هو الجواب عن السؤال:(من أين التناوب في المغرب, ومع من؟) . الواقع أن التاريخ يفرض نفسه كوسيلة ضرورية لفهم اي شأن من شؤون المغرب, ان المغرب بلاد الاستمرارية والتطور, سواء إلى أمام أو إلى وراء, يحد فيه داخل الاستمرارية وليس خارجها. ان تعيين احد ابرز قادة المعارضة في المغرب, الاستاذ عبدالرحمن اليوسفي, على رأس الحكومة, مثله مثل قبول هذا الاخير لهذا المنصب, حدث لا شك في انه ينطوي على قدر غير قليل من المفاجأة, حتى بالنسبة لأكثر المحللين المتتبعين للشأن المغربي! غير أن الذي يقرأ الحدث في المغرب, لا كحدث سياسي ظرفي, بل كحلقة في مسلسل من الاستمرارية, فإنه لا يشعر بالمفاجأة عند أي حدث فـ (الجديد) في المغرب لا يكون عن عدم, بل كل شيء يحدث فيه انما يحدث عن شيء. لا ينتمي هذا الكلام الى عالم (الفلسفة والكلام) العالم الذي ينتمي اليه محدثكم على صعيد المهنة والتخصص, بل هو كلام ينتمي الى عالم الواقع الذي يعيشه المغرب. اقول هذا لأن شرح (تجربة التناوب) , الراهنة في المغرب لا يمكن, ولا يتأتى, بدون الرجوع الى الوراء, أربعين سنة على الأقل. بالفعل, في يوم 15 ابريل من سنة 1958 قدم وزراء حزب الاستقلال استقالتهم من الحكومة الى جلالة الملك محمد الخامس, وكانت هي الحكومة الثانية في المغرب الذي لم يكن قد مضى على استقلاله سوى سنتين. كانت تلك الحكومة كالتي سبقتها برئاسة المرحوم مبارك البكاي, كان هذا الرجل من قدماء العاملين في الجيش الفرنسي, وقد عينته الادارة الفرنسية قائدا (منصب يليه (المحافظ) مباشرة) وعندما نفى الفرنسيون محمد الخامس (20 اغسطس 1953) قدم استقالته, أو أراد (التاريخ) له ذلك, ولم ينخرط في سلك موظفي الداخلية الذين جندتهم السلطات الفرنسية ضد محمد الخامس والحركة الوطنية, وعندما اضطرت فرنسا الى الاعتراف باستقلال المغرب (2مارس 1956) تحت ضغط المقاومة وجيش التحرير, النابعين اساساً من صفوف حزب الاستقلال, الذي كان زعيمه علال الفاسي, ومن قادته المهدي بنبركة وعبدالرحيم بوعبيد, وعلى رأس حركة المقاومة وجيش التحرير محمد البصري وعبدالرحمن اليوسفي, عندما اضطرت فرنسا الى الاعتراف للمغرب باستقلاله واعادة محمد الخامس من منفاه 18 نوفمبر 1955 بعد ان تأكد لديها ان حركة المقاومة والتحرير في المغرب آخذة في التلاحم مع الثورة الجزائرية, اشترطت ان يكون على رأس الحكومة شخصية محايدة, اي لا تكون من رجال الحركة الوطنية خصم الاستعمار الفرنسي, بل من اولئك الذين لم يكونوا من رجال الحركة الوطنية ولا من اعوان السلطات الفرنسية وعملائها المباشرين, والذين بقوا مخلصين للعرش ظاهرياً على الأقل لقد اطلقت عليهم الاجهزة الاستعمارية في المغرب اسم (القوة الثالثة) , وحركتهم في الخفاء والعلن للاحتجاج على ما ادعوه من (استبداد) حزب الاستقلال بالسلطة, وقد تطور الامر الى حد اصطناع تمرد مسلح (تمرد عدي او بيهي) . كان الهدف واضحاً: تكسير وحدة الصف الوطني الذي تشكل منذ الثلاثينات من الحركة الوطنية بقيادة حزب الاستقلال ومن مؤسسة العرش وعلى رأسه الجالس عليه محمد الخامس, وبالتالي الحيلولة دون تحول استقلال المغرب الى استقلال حقيقي فيه جلاء القوات الاجنبية الفرنسية والامريكية والاسبانية, والسير قدماً في بناء المغرب العربي انطلاقاً من مساندة الثورة الجزائرية المساندة القوية المطلوبة, وبناء اقتصاد وطني متحرر, وتشييد حياة ديمقراطية يكون الفاعل السياسي فيها هم رجال الحركة الوطنية والجماهير الشعبية لقطع الطريق على اعوان الاستعمار والوصوليين والانتهازيين, وتلك هي الاهداف التي لم يتردد القادة الوطنيون وفي مقدمتهم علال الفاسي والمهدي بنبركة من التصريح بها وتأكيدها في كل مناسبة, منذ ان أعلن عن الدخول في مفاوضات الاستقلال. لقد أعيد تشكيل هذه (القوة الثالثة) في السنة الثانية من الاستقلال باسم (جبهة الدفاع عن الحريات الديمقراطية) , وباركها رئيس الحكومة (المحايد) , الذي لم يعد محايداً, كانت قوة مصطنعة يراد منها تكسير تلك الوحدة الحميمة التي جمعت العرش والحركة الوطنية في صف واحد للكفاح من أجل الاستقلال, وقد عمد دهاقنة الاستعمار الى مختلف الاساليب من اجل تحقيق هذا الغرض, فاضافة الى التمرد المسلح الذي اشرنا اليه كانت هناك حرب سيكولوجية جهنمية وظفت ما قام به (الضباط الاحرار) في مصر من إلغاء للملكية, وما قام بورقيبة من عزل للباي وتصفية لنظامه, الى جانب بعض الاخطاء المحلية, فكانت النتيجة ان اخذت تجربة لـ (التناوب) تلوح في الافق: تناوب قوامه اقصاء الحركة الوطنية من الحكومة واسنادها لهذه (القوة الثالثة) التي وضعت موضع (المعارضة) , ودون اغفال العوامل الذاتية في الموضوع, فإن دور العوامل الخارجية كان هو المحرك لهذا التحول الذي كان يجري في اواخر الخمسينات يكفي ان نذكر بالاهداف التي حددتها الحركة الوطنية كبرنامج لها, والتي أكد عليها المهدي بنبركة في محاضرة له في كوادر الحزب في الدار البيضاء في إطار توضيح الموقف غداة تقديم الوزراء (الوطنيين) استقالتهم في 15 ابريل ,1958 كما ذكرنا قال شارحاً أبعاد تلك الازمة الوزارية الاولى التي عرفها المغرب المستقل:(فالأزمة اذن ازمة تطور ورغبة في التحرر من الاوضاع الاستعمارية الموروثة) , وتحقيق الأهداف الوطنية وقد ركز المهدي في محاضرته على الأهداف الثلاثة التالية: 1ــ تحقيق الوحدة المغربية: وكانت فرنسا واسبانيا قد اقتطعتا أجزاء واسعة من المغرب التاريخي, جنوباً وشرقاً, بما في ذلك موريتانيا التي كانت تحت حكم الاستعمار الفرنسي, والتي كان المغرب يطالب بها بوصفها امتداداً طبيعياً وتاريخياً له, مثلها مثل ما يسمى اليوم بـ (الصحراء الغربية) التي كانت من نصيب اسبانيا في إطار الترضيات التي سبقت فرض الحماية الفرنسية على المغرب ككل. 2ــ تحقيق وحدة المغرب العربي: معلوم ان المناداة بتحقيق وحدة المغرب العربي في ذلك الوقت (عام 1958) والثورة الجزائرية في أوج شبابها معناه انخراط المغرب العربي كله في هذه الثورة ضد فرنسا, وبالتالي القضاء على النفوذ الفرنسي في شمال افريقيا قضاء ثورياً. 3ــ بناء اقتصاد متين وتوسيع نطاق هذا الاقتصاد في الفلاحة والتصنيع وبناء ديمقراطية حقيقية: هذا يعني, اولاً وقبل كل شيء, وضع حد للهيمنة الاقتصادية الفرنسية التي شملت جميع الميادين, بما ذلك ميدان الفلاحة: اذ كان معظم الاراضي الخصبة في المغرب ضيعات للمعمرين الفرنسيين. واذا نحن اضفنا الى ذلك (مؤتمر الوحدة) في طنجة (ابريل 1958) , المؤتمر الذي عقدته الحركات الوطنية في كل من المغرب والجزائر وتونس, والذي كان موضوعه (وحدة المغرب العربي) والوسائل الكفيلة بتحقيقها, وفي مقدمتها المساندة العملية والفعالة للثورة الجزائرية, وأخذنا بعين الاعتبار تأثير المد التحرري الذي كان يجتاح المنطقة العربية كلها, والذي كان من أبرز مظاهره آنذاك قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا, ادركنا كيف ان الاستراتيجيا الاستعمارية كان لا بد من ان تركز في المغرب على فصم عرى ذلك الحلف الوطني بين العرش والحركة الوطنية, الحلف الوطني الذي حقق للمغرب استقلاله وجعل منه مركز جذب للتحرر في افريقيا كلها, ان (القوة الثالثة) التي شكلها الفرنسيون سنة 1950 كطرف مناهض للجالس على العرض وللحركة الوطنية, والتي أعادوا تشكيلها سنة 1955 حين اضطروا للتفاوض ليجعلوا منها درعا واقية يفاوضون من خلالها الحركة الوطنية, هي نفسها التي أعيد تشكيلها سنة 1958 للحيلولة دون استمرار ذلك الحلف الوطني بين العرض والحركة الوطنية في التحامه ونضاله الموحد لتحقيق الاهداف الوطنية المذكورة. فعلا, نجحت الاستراتيجية الاستعمارية الفرنسية باستقطاب بعض الشخصيات التي لم تكن داخل الحركة الوطنية واحتفظت مع ذلك بنوع من الولاء للعرش, فنصبتها على رأس هذه الصيغة الأخيرة من (القوة الثالثة) وقد اشرنا قبل الى المرحوم مبارك البكاي, أول رئيس للحكومة في المغرب المستقل, علينا ان نذكر الآن المرحوم احمد رضا كديرة الذي كان على رأس (حزب) , بل (ناد سياسي) انشىء عقب الاستقلال مباشرة باسم (الاحرار المستقلين) , الذي كان اسما بدون مسمى. لقد وضع هذا الرجل نفسه في الطرف المقابل والمواجه للقوات التي تشكلت منها حركة التحرير الوطني في المغرب, فتزعم (القوة الثالثة) بعد اعادة تشكيلها في اواخر الخمسينيات. كان هذا الرجل معروفا لدى الخاص والعام بميوله الفرنسية وارتباطه الشديد بكل ماهو فرنسي, والاعراض عن كل ماهو عربي أو اسلامي او تحرري. وكان ذلك منه موقفا صريحا وعلنيا. إن الدور الذي لعبه هذا الرجل ــ الذي كان مديرا لديوان ولي العهد ــ في قيام (التناوب) لاول مرة في المغرب, والذي كان يعني في أواخر الخمسينات واوائل الستينيات اقصاء الحركة الوطنية من الحكومة ومراكز السلطة وتخصيصها للاحزاب التي شكلت لتكون البديل, أقول ان الدور الذي لعبه هذا الرجل في الفصل بين العرش والحركة الوطنية, لا يوازنه إلا الدور الذي لعبه في الاتجاه نفسه, وللغرض ذاته, ذلك الشخص الذي تقلد بعده مسؤولية وزارة الداخلية: الجنرال محمد أوفقير, صاحب المحاولة الانقلابية الفاشلة سنة 1972. لربما يبدو واضحا, منذ الان, ان (تجربة التناوب) التي يعيشها المغرب اليوم هي مجرد عود على بدء: الجهة التي كانت في الحكومة منذ ازيد من ثلاثين سنة تسحب الى (المعارضة) والجهة التي كانت في المعارضة يؤتى بها الى الحكومة. غير ان مابين (التناوب) الذي أقر في سنة 1958 و(التناوب) الذي أقر في سنة 1998 أربعون سنة لم تكن كلها انتظارا لــ (النوبة) (أي للدور) , بل شهدت احداثا وتطورات, واسفرت عن نتائج هي التي جعلت (التناوب) يعود من جديد! ولربما في أفق جديد! لقد كان من الممكن ان نعالج الموضوع على مستوى نظري بحت, فنريح ونستريح من تفاصيل قد تكون مملة. ولكن ذلك سيكون على حساب خصوصية التجربة, على حساب التحليل الملموس للواقع الملموس. صحيح ان اوضاع الوطن العربي تتشابه, غير انه اذا كانت وحدة التجربة في المشرق وتداخل مكوناتها وتأثير بعضها في بعض تأثيرا مباشرا يغني عن عرض تفاصيل الاحداث, حيث يتعلق الامر بقطر من اقطاره, فان تجربة المغرب تختلف عن تجارب اقطار المشرق, فضلا عن كونها مجهولة لدى كثير من ابنائه, على مستوى التفاصيل على الاقل. لذلك رأينا من الضروري القيام بعرض لمسيرة الاحداث التي عرفها المغرب, خلال الاربعين سنة الماضية, من زاوية ما نسميه هنا: (تجربة التناوب) . كان من نتائج نجاح الاستراتيجة الاستعمارية بفرض (قوة ثالثة) , مصنوعة, على الحركة الوطنية وعلى العرش كذلك, عند الاعلان عن الاستقلال, ان دب خلاف داخل الحركة الوطنية, وبالذات داخل حزب الاستقلال, حول الموقف الذي يجب اتخاذه ازاء هذه التطورات السلبية, وايضا حول الكيفية التي يجب ان يتطور بها الحزب ليتمكن من مواجهة المهام الجديدة. كان هناك تياران: تيار محافظ, وتيار جذري, وكان على رأس هذا التيار الاخير داخل قيادة الحزب المهدي بنركة وعبدالرحيم بوعبيد, والفقيه البصري وعبد الرحمن اليوسفي (وكانا على رأس جمعية المقاومة وجيش التحرير) اضافة الى القادة النقابيين آنذاك, كانوا جميعا من القادة الفاعلين في الحزب: حزب الاستقلال, واذا اضفنا الى ذلك بعض الاختلافات من نوع الاختلاف بين الاجيال والجهات والمرجعيات الثقافية.. الخ ادركنا الاسباب التي ادت الى ذلك الانقسام الذي عرفه حزب الاستقلال, والذي اسفر عن انفصال هذا التيار الجذري مع اوسع الجماهير الشعبية, ليشكل ماعرف بــ (الجامعات المستقلة لحزب الاستقلال) اولا (يناير 1959) , ثم (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) بعد ذلك (6 سبتمبر 1959) وهو الاتحاد الاشتراكي حاليا (منذ 12 يناير 1975) . والحق ان (التناوب) بدأ, قبل انشقاق حزب الاستقلال, بفترة انتقالية تم فيها اسناد الحكومة الى هذين التيارين, احدهما دون الآخر ان لم يكن ضده, وذلك قبل اسنادها لــ (القوة الثالثة) التي كان على رأسها احمد رضا كديرة. لقد اسندت رئاسة الحكومة أول الامر الى الامين العام لحزب الاستقلال المرحوم احمد بلافريج (15 مايو 1958) . والى هذه الحكومة يرجع الفضل في تنظيم الشأن الاقتصادي في المغرب عبر ما كان يدعى آنذاك بــ (السياسة التحريرية الاقتصادية) التي سلكها المرحوم عبد الرحيم بوعبيد الذي شيد هياكل الاقتصاد المغربي كاقتصاد وطني تحكمه استراتيجية التحرر من التبعية. اما في ميدان السياسة الخارجية, فقد اتجه المغرب نحو الوطن العربي والعالم الثالث, وتبنت الحكومة استراتيجية (عدم التبعية) سياسة لها, وهو ما كان يعبر عنه في المشرق وفي العالم الثالث كله بــ (عدم الانحياز) اما في مجال المؤسسات الديمقراطية, فقد أعدت العدة لانتخابات محلية قرر لها تاريخ 29 مايو 1990. فكان طبيعيا ان تتجند تلك (القوة الثالثة) , التي لم تكن تخفي علاقة متزعميها مع الاوساط الاستعمارية, ضد هذه الحكومة, فتمكنت من استصدار قرار بإقالتها في 21 مايو من السنة نفسها, أي قبل اجراء الانتخابات باسبوع واحد. ومع ذلك ومع ما مورس من ضغوط وتزوير, وبخاصة في القرى والارياف, حصل الاتحاد على معظم بلديات المدن المغربية, كما كان قد حصل قبل ذلك على معظم الغرف التجارية. ولم ينافسه على المقاعد في هاتين التجربتين الانتخابيتين سوى ذلك الجناح من الحركة الوطنية الذي بقي محافظا الى اليوم بالاسم الذي حملته هذه الحركة اثناء الكفاح الوطني ضد الاستعمار: (حزب الاستقلال) . ان نتائج الانتخابات قد اظهرت, على رغم مامورس فيها من ضغوط وتلاعبات, ان ما نعبر عنه هنا بــ (القوة الثالثة) لم تكن قوة شعبية بل مجرد واجهة تتخذ من (الدفاع) عن المصالح الاستعمارية واستمرار الارتباط بالغرب, من خلال الولاء لفرنسا, استراتيجية سياسية لعرقلة سير المد الوطني التحرري. كان طبيعيا اذن ان تتجند هذه (القوة الثالثة) ومن ورائها المصالح الاستعمارية الفرنسية ضد هذه الحكومة التي سارت على طريق المساندة الفعالة للثورة الجزائرية, داخليا وخارجيا من جهة, وعلى طريق بناء اقتصاد وطني متحرر ذي اتجاه اجتماعي اشتراكي من جهة اخرى. وهكذا فما ان بدأت في تنفيذ الخطة الانمائية الخمسية التي اعدتها (1960 ــ 1964) والتي كانت ترمي الى الدخول بالمغرب في مرحلة (مابعد التخلف والتبعية) حتى اشتد الضغط على محمد الخامس, فأقال هذه الحكومة, على مضض وبعد تردد طويل (26 مايو 1960) , وتولى اسميا رئاسة الحكومة التي اسند فيها منصب نائب رئيس الحكومة الى ولي العهد آنذاك, الملك الحسن الثاني حاليا, وقد تبع ذلك سلسلة من الاجراءات والتغييرات في مراكز الادارة والمؤسسات العمومية وشبه العمومية أبعدت ما تبقى من العناصر المنتمية للحركة الوطنية داخل الادارة المغربية بمختلف مستوياتها واحلت محلها عناصر من (القوة الثالثة) . والحق ان (التطهير) الذي كانت تطالب به الحركة الوطنية, تطهير الادارة من الذين تعاونوا مع السلطات الفرنسية ضد العرش والحركة الوطنية, قد مورس معكوسا. فلم تمض الا سنة أو سنتان على إعادة تشكيل هذه (القوة الثالثة) بزعامة كديرة حتى كانت مناصب المسؤولية في الادارة المغربية قد عمها (التناوب) : لقد (طهرت) من العناصر (الحزبية) واسندت الى الجهة المناوئة. وإذا كان الاتحاد لم يكن معنيا بهذا النوع من (التطهير) لكونه لم يكن ذا نصيب في مراكز المسؤولية على صعيد الجهاز الاداري, فإنه كان المعني الوحيد لدى الكولونيل أو فقير (احد الضباط في الجيش الفرنسي سابقا) عندما تسلم ادارة الامن الوطني (يوليو 1960) بعد ان قضى مدة طويلة في القصر الملكي (كان قد عين هناك من طرف السلطات الفرنسية) لقد انشغلت ادارة الامن في عهده بالتضييق على صحافة الاتحاد ومطاردة مناضليه, وكان من جملة ما وقع: حادثة سير استهدفت حياة المهدي بنبركة (16 نوفمبر 1962) . بعد وفاة محمد الخامس المفاجئة, اثر عملية جراحية بسيطة (28 فبراير 1961) , تشكلت حكومة جديدة برئاسة الملك الحسن الثاني (يونيو 1961) بمشاركة جميع رؤساء الاحزاب باستثناء الاتحاد الوطني (الاتحاد الاشتراكي حاليا) . اما رضا كديرة فقد اسندت اليه وزارة الداخلية التي كان على رأسها مبارك البكاي, كما احتفظ بوزارة الفلاحة (وهو منصب كانت له اهمية خاصة لان المغرب لم يكن قد استرجع بعد الاراضي التي اغتصبها المعمرون الفرنسيون وكانت مساحتها تزيد على مليون هكتار) . واضافة الى ذلك اسندت له مهمة التوقيع على المراسيم الحكومية نيابة عن رئيس الحكومة ( الملك الحسن الثاني) بوصفه مديرا للديوان الملكي. وهكذا دشنت مرحلة جديدة من (التناوب) وضع الجميع فيها في طرف, ووضع الاتحاد الوطني (الاتحاد الاشتراكي حاليا) في طرف. ومع ان حزب الاستقلال كان يعرف جيدا ما يمثله هذا الرجل, المتعدد الوزارات والمهام, ويعرف انه كان من اشد المناهضين له, فقد قبل المشاركة في حكومة يكون دور رئيسه فيها المرحوم علال الفاسي وزيرا لوزارة استحدثت ــ ربما خصيصا له ــ باسم (وزارة الشؤون الاسلامية) ! إن هذا يدل على مبلغ الهوة التي كانت قد تعمقت واتسعت بين هذا الحزب وبين التيار الذي انفصل عنه وحمل اسم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية لقد تحول قسم كبير من الصراع السياسي في المغرب الى صراع بين هذين الجناحين من الحركة الوطنية, وكان انضمام جناح (حزب الاستقلال) الى الحكومة التي كانت الشخصية الرئىسية فيها هي رضا كديرة من قبيل عكس المعنى. كان الامر يبدو وكأن الامر يتعلق بتحالف (الجميع) ضد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية, مما زاد من شعبيته والتفاف أوسع الجماهير حوله.