عمر المزين – كود///
حصلت “كود” على تفاصيل حول التقرير الذي أنجزه المختبر العمومي للتجارب والدراسات بعد فاجعة انهيار عمارتين سكنيتين بحي المستقبل بالمنطقة الحضرية “المسيرة” بفاس، والتي خلفت مصرع 22 شخصا، مع إصابة 16 آخرين بجروح مختلفة، ولا زال الرأي العام الوطني ينتظر نتائج الأبحاث القضائية والإدارية المنجزة لتحديد المسؤوليات.
وقد همت الخبرة التقنية، حسب مصادر مطلعة، تشخيص الحالة الراهنة لبعض البنايات المحيطة بالبنايتين المنهارتين، وذلك في إطار تدبير مخاطر البنايات المهددة بالانهيار، من أجل المساهمة في معالجة هذا المشكل من خلال تحليل وتقييم المعطيات التقنية المرتبطة بالبنايات المعنية.
وأوضح التقرير أن موضوع الخبرة شمل دراسة إشكالية تدبير البنايات المهددة بالانهيار، وتقييم المعطيات الميدانية، وتصنيف البنايات المجاورة للبنايات المنهارة، إلى جانب تقديم توصيات تقنية بخصوص التدخلات الواجب اتخاذها.
وأكدت الخبرة، حسب مصدر من ولاية جهة فاس مكناس لـ”كود”، أن قواعد البناء تفرض احترام معايير تقنية وتنظيمية مرتبطة بجودة المواد المستعملة وشروط الاستغلال وظروف التنفيذ وجودة الأساسات والعناصر الهيكلية، غير أنه تم تسجيل أن عددا من البنايات المعنية لا تحترم هذه القواعد، حيث تم تجاهل أو عدم احترام الضوابط التقنية، مما أدى إلى تدهور حالة المباني وانخفاض مستوى سلامتها.
وسجل التقرير أن بعض البنايات تظهر استقرارا ظاهريا في الحالة الثابتة، غير أن هذا الاستقرار يبقى محدودا، حيث إن الاختلالات البنيوية المسجلة، خاصة في الحالة الديناميكية تحت تأثير الاهتزازات أو الزلازل، تؤثر بشكل كبير على صلابة ومقاومة الهيكل، نتيجة وجود عدم انتظام في العناصر الهيكلية، وانقطاعات، وضعف في أبعاد المقاطع، ورداءة جودة الخرسانة، وعيوب في الربط بين العناصر الحاملة، وهو ما يجعل هذه البنايات غير مستقرة ومعرضة لخطر مرتفع للانهيار الجزئي أو الكلي.
وأشار التقرير إلى أن حلول التدعيم أو التقوية تبقى مكلفة ومعقدة من الناحية التقنية والاجتماعية، وأن إعادة البناء الكامل تبقى الحل الوحيد الذي يمكن أن يضمن الاستقرار على المدى الطويل ومواجهة المخاطر الزلزالية، مع التأكيد على ضرورة تحديث الدراسات التقنية بشكل مستمر لمواكبة تطور حالة البنايات.
واعتمدت الخبرة تصنيفا للبنايات حسب درجة الخطورة، حيث تم تحديد الصنف 0: بنايات منهارة جزئيا وتشكل خطرا وتتطلب الإخلاء، وتشمل بنايات في حالة خراب غير مأهولة أو في حالة انهيار جزئي أو يصعب إصلاحها من الناحية الاقتصادية.
كما تم تحديد الصنف 1: بنايات تشكل خطرا وتحتاج إلى التدعيم، ويشمل هذا الصنف حالات انهيار جاري أو محتمل، أو تضرر العناصر الحاملة بشكل يؤثر أو قد يؤثر على استقرار البناية.
وبخصوص الصنف 2: بنايات لا تشكل خطرا ظاهريا، رغم وجود بعض التدهورات التي لا تؤثر على العناصر الحاملة.
وسجل التقرير أنه، حسب الخلاصة العامة، فإن البنايات المصنفة ضمن الأقسام 0B و1A و1B تتطلب تدخلا عاجلا، مع ضرورة دراسة إمكانية الإخلاء المؤقت في انتظار تنفيذ التوصيات التقنية، في حين يمكن برمجة تدخلات موازية بالنسبة للأقسام 1C و1D، بينما تقتصر التدخلات بالنسبة للأقسام 2A و2B على أعمال الصيانة.
وبخصوص البناية رقم 223 بتجزئة المستقبل حي المسيرة، التي تتكون من أربعة مستويات وطابق جزئي، سجل التقرير وجود إضافة عشوائية لطابقين وطابق جزئي، مما تسبب في تحميلات إضافية مهمة على الهيكل، إضافة إلى وجود توزيع غير منتظم وغير مطابق للعناصر الحاملة، وضعف بنيوي واضح.
ورصد التقرير التقني، حسب مصادر “كود”، إحداث ثقوب بالأعمدة لتعليق أبواب المرائب، مما خلق نقاط ضعف، إلى جانب وجود مشاكل كبيرة في الربط بين الأعمدة والعوارض، وغياب بعض الأعمدة في الزوايا على مستوى الطابق الجزئي، وعدم استمرارية وعدم استقامة الأعمدة، إضافة إلى عدم مطابقة أبعاد الأعمدة المسلحة، خاصة الأعمدة ذات مقطع 15×15 سم، للمعايير المعمول بها.
أما البناية رقم 222، التي تتكون من طابق أرضي وطابق أول وطابق جزئي، فقد تم تسجيل انهيار جدار بالطابق الأرضي المشترك مع بناية مجاورة منهارة، إضافة إلى وجود انفصال مهم في الخرسانة بعدة عناصر، وأبعاد غير مطابقة للعناصر الهيكلية، وعدم احترام المعايير المضادة للزلازل.
التقرير رصد أيضا وجود تشققات مائلة وعميقة على مستوى جدران الطابق الأرضي نتيجة انهيار البناية المجاورة، ورطوبة مفرطة على مستوى البلاطات، وانقطاع في الخرسانة بالعوارض مع وجود أجزاء من الطوب داخلها، إضافة إلى إنجاز الأشغال على مراحل متباعدة، مما أثر على جودة وتماسك الهيكل.
وصنف التقرير هذه البناية ضمن الفئة (1B)، مع التوصية، في حالة الحفاظ عليها، باتخاذ تدابير تقنية تشمل تدعيم الأعمدة والعوارض، وإعادة بناء الجدار المنهار بمواد مطابقة للمعايير، وإزالة الطابق الجزئي لتقليل الأحمال وتحسين الاستقرار، مع تنفيذ الأشغال من طرف شركات متخصصة لتفادي أي اهتزازات قد تؤثر على توازن البناية.
وسجل التقرير أيضا، في حالة أخرى، وجود انفصال مهم في الخرسانة على مستوى العناصر الحاملة، وغياب الربط بين الجدران والبلاطات، ورطوبة مفرطة، وتآكل الأعمدة والبلاطات، وإنجاز الأشغال على مراحل متباعدة، حيث تم تصنيف هذه البناية ضمن الفئة (1A)، مع التأكيد على أنها تشكل خطرا وشيكا، والتوصية بهدم جزئي للمستويين العلويين، مع الإشارة إلى أن ذلك قد يؤثر على استقرار البناية، وهو ما دفع إلى التوصية بالهدم الكلي للبناية، نظرا لعدم ضمان فعالية حلول التدعيم، وارتفاع كلفتها وتعقيدها.
وفي ختام التقرير، أوصى المختبر العمومي للتجارب والدراسات بهدم البنايات التي تظهر بها اختلالات واضحة وخطيرة، بينما تستوجب الحالات التي تتضمن عيوبا غير ظاهرة إجراء خبرة تقنية مفصلة قبل اتخاذ القرار المناسب، مع التأكيد على ضرورة احترام المعايير التقنية والتنظيمية لضمان سلامة واستقرار البنايات.

