تتجه وزارة العدل لوضع حدّ لإشكالية “تدبير الأموال والممتلكات المحجوزة والمصادرة” بالمغرب، من خلال إعداد مشروع قانون يقضي بـ”إحداث وكالة وطنية لتدبير وتحصيل الأموال والممتلكات المحجوزة والمصادرة والغرامات”، تمّت إحالته على وزارة الاقتصاد والمالية قصد الحصول على تأشيرتها في أفق إحالته على مسطرة المصادقة.
هذا الموضوع الذي أثير غير ما مرّة في لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، خاصة خلال مناقشة الميزانية الفرعية لقطاع العدل، وخلال جلسة الأسئلة الشفهية بداية دجنبر الجاري، يتأطر بهدف وغاية “إحداث إطار مؤسساتي لتحصيل وتدبير الأموال والممتلكات المحجوزة والمصادرة والغرامات والإدانات النقدية، وفق أسس وضوابط جديدة، وعلى نحو يمكّن من تلافي صعوبات الوضعية الحالية، التي تتمثل أساسا في: غياب آلية قانونية محكمة لتنفيذ المقررات الزجرية المتعلقة بالمصادرة والحجز وباقي التدابير التحفظية الزجرية، سواء الصادرة عن المحاكم المغربية أو المقررة من طرف سلطات قضائية أجنبية في إطار آليات التعاون القضائي الدولي”.
كما يندرج النص القانوني ذاته “في إطار تنفيذ الالتزامات الدولية للمملكة بموجب الاتفاقيات الدولية ذات الصلة التي صادقت عليها والملزِمة للدول الأعضاء باتخاذ ما يلزم من تدابير للتمكين من مصادرة العائدات الإجرامية والأشياء التي استخدمت في ارتكاب جرائم وكذا لتنظيم إدارة السلطات المختصة للممتلكات المجمدة أو المحجوزة أو المصادرة”.
هذا فضلا عن تفعيل المغرب لــ”توصيات مجموعة العمل المالي GAFI التي تحثّ الدول على وضع آليات لإدارة الممتلكات التي تم تجميدها أو حجزها أو مصادرتها، والتصرف فيها عند الضرورة، لا سيما وأن غياب هذه الآلية المؤسساتية شكل أحد مكامن القصور المسجل في المنظومة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في بلادنا”، وهو ما أشار إليه وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أمس أمام النواب في جلسة عمومية.
بحسب معطيات تفصيلية توفرت لجريدة هسبريس الإلكترونية حول الموضوع، تتلخّص أهم مضامين مشروع القانون هذا في “إحداث وكالة خاصة بتدبير وتحصيل الأموال والممتلكات المحجوزة والمصادرة والغرامات، تابعة لوصاية السلطة الحكومية المكلفة بالعدل”، مع ربط مهامّها (الوكالة) بـ”تنفيذ المقررات القضائية الزجرية الصادرة عن مختلف محاكم المملكة والمتعلقة بحجز أو تجميد أو عقل الأموال والممتلكات وتحصيل الغرامات، واهتمامها أيضا بحل إشكالات الحجز والمصادرة عبر التعاون القضائي الدولي”.
ويُنتظر أن “تُسنَد للوكالة مهمة تدبير الأموال المنقولة والأصول العقارية المحجوزة أو المجمدة أو المعقلة أو المصادرة، مع إمكانية قيامها، بناء على إذنٍ من الجهة القضائية المختصة، بتحويل ملكية أو استغلال تلك المنقولات والعقارات بدون مقابل إلى المحاكم أو مصالح الأمن الوطني أو الدرك الملكي أو مراقبة التراب الوطني أو باقي الجهات المخول لها قانونا ممارسة مهام الشرطة القضائية، وذلك وفق كيفيات تحدد بنص تنظيمي”.
وأشارت المعطيات الرسمية المتوفرة إلى “تكليف الوكالة بتدبير الأموال والممتلكات الخاضعة للتجميد أو لحظر التعامل من طرف اللجنة الوطنية المكلفة بتطبيق العقوبات المنصوص عليها في قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ذات الصلة بالإرهاب وانتشار التسلح وتمويلهما”.
كما سيتم “تمكين الوكالة من استيفاء الغرامات والإدانات النقدية والصوائر والمصاريف القضائية، إلى جانب المصالح المكلفة بالمالية ومصالح كتابات الضبط بمحاكم المملكة”، مع “مَنْحِها الإشراف على تتبع تدابير تنفيذ علاجات القضاء على التسمم بتنسيق مع مراكز علاج ومحاربة الإدمان المحدثة لهذه الغاية”.
ومن مضامين النص، “إنشاءُ بنك معطيات وقاعدة بيانات حول الأموال والممتلكات المحجوزة أو المصادرة أو موضوع عقل أو تجميد”، فيما من المرتقب “تخويل الوكالة حق الاطلاع على مختلف المعلومات المتوفرة لدى الإدارات والمؤسسات دون إمكانية مواجهتها بالسر المهني، ومنحها في إطار ممارسة المهام المسندة إليها حق طلب المساعدة من السلطات الإدارية والقضائية والأمنية، وإلزام هذه الأخيرة بالاستجابة للطلبات المقدمة لها”.
ويُنتظَر “تنويع تركيبة مجلس إدارة الوكالة على النحو الذي يمكن من تسهيل مأموريتها وتفعيلًا للمقاربة التشاركية”، مع “إعداد الوكالة لتقرير سنوي حول السير العام لأنشطتها ورفعه للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل، مع إمكانية نشره بالجريدة الرسمية”.
سياقات ومقاربة تشاركية
حسب وزارة العدل، فإن “مشروع إحداث الوكالة” يأتي في صلب “أهداف الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد التي تبنّتْها المملكة وعُهِد بتنسيق أحد برامجها إلى وزارة العدل، خاصة البرنامج السادس المعنون بـ: تقوية المتابعة والزجر، الذي تضمن في التدبير الفرعي P6.25 إحداث الوكالة الوطنية لتدبير وتحصيل الأموال والممتلكات المحجوزة والمصادرة”.
ويعد هذا المشروع، حسب المصدر ذاته، “نتاجا لعمل دؤوب على مجموعة من التجارب المقارنة في هذا المجال، كالتجربة الفرنسية والبلجيكية والإسبانية والإيطالية. مع مراعاة الخصوصية الوطنية”؛ إذ أورد وزير العدل، الاثنين أمام النواب، أن “هناك تجارب لدول سارت في هذا التوجه، منها فرنسا التي أحدثت هذه الوكالة قبل أعوام، ومكَّنتها من تحصيل مبالغ لفائدة الدولة وصلت إلى 530 مليون يورو”.
وحسب ما علمت به هسبريس، فقد شهِدَ إعداد مشروع القانون نهج “مقاربة تشاركية”، تجسدت في “إعداد وزارة العدل المسودة الأولية لمشروع القانون، قبل إحالته على مختلف القطاعات المعنية قصد إبداء وجهة نظرها بشأنه. وتم عقد سلسلة من الاجتماعات مع تلك القطاعات بغية تقريب وجهات النظر، وتم اعتماد العديد من المقترحات والملاحظات الواردة بشأنه”.
كما يأتي إحداث الوكالة المرتقبة في تناغم مع توجيهات الملك محمد السادس حول “تأهيل الهياكل الإدارية والقضائية ببلادنا، وكذا تنزيلا لتوصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة”.
